ابن عطاء الله السكندري

62

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

أيها الإنسان المسلم إذا أردت أن تخرج من أوصاف بشريتك المناقضة لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا ، عليك أن تتفقه في الدين فتؤدي الفرائض وتجتنب النواهي وتأخذ من الدنيا وشهواتها قدر ما سمح لك الحق تعالى بأخذه من الحلال . وأن تزكي نفسك وتطهرها من الرذائل وتحلي قلبك بمكارم الأخلاق المحمدية التي بعث بها إلينا ، وأن تستغني باللّه تعالى عن كل ما سواه وتعلم بأن اللّه تعالى يراك في كل أحوالك وشؤونك فتراقبه على الدوام لتشعر بقربه تعالى منك فتأنس وتطمئن به تعالى . فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا لندائه مجيبين ومن حضرته قريبين . الحكمة الثانية عشرة « 1 » : « لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلّك على اللّه مقاله » . شرح الحكمة : إن الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بالآخرين المحيطين به ويتأثرون به ، لذلك كان لزاما على المسلم أن يتخير أصحابه ، لأن الصاحب ساحب والمرء على دين خليله ، فعليه أن ينظر من يصاحب ، قال محمد بن سيرين : « إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم » . فهذه الحكمة تنصحنا بصحبة من يرفعنا حاله ويدلنا على اللّه مقاله . وهذا الصاحب الذي ينهضك حاله هو الإنسان المسلم بجوارحه ونفسه ، المؤمن بعقله وقلبه ، المحسن بروحه وسره ، ربّى جوارحه ونفسه على امتثال أوامر اللّه تعالى واجتناب نواهيه لا يقدم على عمل حتى يعلم حكم اللّه تعالى فيه ، وربّى عقله على العقيدة الصحيحة من حيث الإيمان بوحدانية اللّه تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وبأن اللّه تعالى متصف بكل كمال ومنزّه عن كل نقص ، أخذا من قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : 11 ] . وربّى قلبه على مكارم الأخلاق فتخلّق بأخلاق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم القائل : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » . وربّى روحه وسره على الاعتماد والتوكل على اللّه تعالى والثقة به في كل شؤونه ، فهو دائم المراقبة والذكر له تعالى .

--> ( 1 ) ورقمها ( 43 ) في النص الكامل للحكم .